المنشآت والدوائر الحجرية القديمة: حقيقة ما يسمى بالحوطات التكنيزية

تنتشر في صحارى بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية منشآت حجرية متعددة الأشكال، منها الدوائر والرجوم والجدران المنخفضة والمصائد الصحراوية. ويطلق بعض المهتمين شعبيًا على عدد منها اسم الحوطات التكنيزية، اعتقادًا بأنها علامات تدل على كنوز أو دفائن مخفية.

لكن هذا المصطلح ليس تصنيفًا علميًا معتمدًا في علم الآثار، كما أن وجود دائرة أو كومة من الحجارة لا يكفي لإثبات وجود قبر أو دفين تحتها. فالمنشآت المتشابهة في الشكل قد تكون مختلفة في العمر والوظيفة، ولا يمكن تحديد حقيقتها من المظهر الخارجي وحده.

نستعرض في هذا المقال أنواع المنشآت الحجرية القديمة، والوظائف التي ربما أدتها، وكيف يميز علماء الآثار بين البناء البشري والتكوين الطبيعي، وحقيقة ارتباط هذه المواقع بالمدافن والكنوز.

منشآت حجرية دائرية ورجوم قديمة منتشرة في صحراء بلاد الشام
تنتشر في صحارى بلاد الشام منشآت حجرية متعددة الأشكال، ولا يمكن تحديد تاريخها أو وظيفتها اعتمادًا على مظهرها الخارجي فقط.

ما المقصود بالمنشآت الحجرية القديمة؟

المنشآت الحجرية القديمة هي تكوينات أنشأها الإنسان باستخدام الحجارة المحلية، وقد تتخذ شكل جدران أو دوائر أو أكوام أو ممرات أو حجرات. وتنتشر هذه المنشآت في مناطق واسعة من الأردن وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية وغيرها من مناطق الشرق الأدنى.

ساعدت البيئات الصحراوية على بقاء عدد كبير منها؛ لأن قلة الزراعة والبناء في بعض المناطق حدّت من تعرضها للإزالة. وقد كشف التصوير الجوي وصور الأقمار الصناعية عن منشآت يصعب تمييز شكلها الكامل من مستوى سطح الأرض.

ووفقًا لمشروع الآثار الجوية في الأردن، تضم البلاد مواقع من عصور تاريخية متعددة، وتشكل الأعمال الحجرية والترابية والمباني جزءًا كبيرًا من المواقع التي يجري تصويرها وتوثيقها من الجو.

هل «الحوطات التكنيزية» مصطلح أثري؟

لا يستخدم علماء الآثار مصطلح «الحوطات التكنيزية» باعتباره تصنيفًا علميًا يثبت وجود كنز. وإنما تُدرس كل منشأة وفق شكلها ومواد بنائها وموقعها وعلاقتها بالآثار المحيطة بها.

قد يصف الباحث الموقع بأنه دائرة حجرية، أو رجم، أو مدفن ركامي، أو سور، أو مصيدة صحراوية، أو منشأة رعوية. ولا تُنسب إليه وظيفة محددة إلا بعد توفر أدلة كافية، مثل نتائج المسح والتنقيب والتأريخ والتحليل المخبري.

معلومة مهمة: الشكل الهندسي وحده لا يثبت وظيفة المنشأة. فالدائرة الحجرية ليست بالضرورة قبرًا، والمربع لا يعني وجود غرفة مخفية، وكومة الحجارة لا تدل تلقائيًا على وجود سرداب أو مقتنيات ثمينة.

أبرز أنواع المنشآت الحجرية

1. الدوائر الحجرية

تتكون الدائرة الحجرية من أحجار مرتبة في حلقة كاملة أو غير مكتملة. وتختلف هذه الدوائر كثيرًا في الحجم والعمر وطريقة البناء. فقد تكون جزءًا من منشأة سكنية أو رعوية، أو عنصرًا جنائزيًا، أو حدًا لمكان معين، بينما ما تزال وظيفة بعض الدوائر غير معروفة.

لذلك لا يمكن القول إن مركز كل دائرة يحتوي على قبر أو دفين. ويتطلب إثبات الاستخدام الجنائزي العثور على أدلة مثل حجرة دفن أو عظام بشرية أو مواد مرتبطة بطقوس الدفن، ضمن تنقيب أثري موثق.

2. الرجوم والركامات الحجرية

الرجم هو كومة من الحجارة قد تكون صغيرة أو كبيرة. وقد أنشئت الرجوم لأغراض متعددة؛ فمنها ما استُخدم لتحديد الطرق أو الحدود، ومنها ما ارتبط بممارسات جنائزية، ومنها ما نتج عن تنظيف الأراضي الزراعية من الحجارة.

بعض المدافن القديمة غُطي فعلًا بركام حجري، لكن التشابه الخارجي لا يجعل كل رجم مدفنًا. ولا يمكن معرفة ما تحته بالحفر العشوائي؛ لأن إزالة الحجارة تؤدي إلى تدمير ترتيبها والسياق الأثري الذي يساعد الباحث على تحديد تاريخها ووظيفتها.

دائرة حجرية ورجم قديم في منطقة صحراوية صخرية
قد تكون الدوائر والرجوم الحجرية مدافن أو علامات طرق أو حدودًا قديمة، ولذلك يتطلب تحديد وظيفتها دراسة أثرية موثقة.

3. الجدران والمسيجات الحجرية

قد تظهر بعض المنشآت على هيئة جدران منخفضة تحيط بمساحة دائرية أو مربعة أو غير منتظمة. ويمكن أن تكون بقايا حظائر للحيوانات، أو حدودًا زراعية، أو أجزاء من مساكن ومنشآت دفاعية، أو عناصر مرتبطة باستعمالات أخرى للمكان.

ويتوقف تفسيرها على طبيعة الموقع. فالسياج القريب من مستوطنة قد يختلف عن جدار منفرد في منطقة صحراوية، حتى لو بدا الشكلان متشابهين في الصور.

4. المصائد الصحراوية القديمة

المصائد الصحراوية، المعروفة في الدراسات الأجنبية باسم Desert Kites، هي منشآت واسعة تتكون عادة من جدارين طويلين يتقاربان نحو حيز مغلق أو مجموعة حجرات. وسُميت بهذا الاسم لأن شكلها من الجو يشبه الطائرة الورقية.

تدعم الدراسات الأثرية تفسير عدد كبير منها بوصفها منشآت استُخدمت لتوجيه الحيوانات البرية ومحاصرتها أثناء الصيد الجماعي. وقد وثقت أبحاث حديثة نقوشًا قديمة تمثل مخططات لبعض هذه المصائد في الأردن والسعودية.

وهذا المثال يوضح أهمية عدم تفسير المنشآت الحجرية باعتبارها أماكن للدفائن؛ فالبناء الذي يبدو غامضًا على الأرض قد يكون جزءًا من نظام صيد واسع لا يظهر تصميمه بوضوح إلا من الجو.

مصيدة صحراوية قديمة تتكون من جدارين حجريين طويلين يتقاربان نحو حيز مغلق
تكشف المشاهدة الجوية التصميم الكامل للمصائد الصحراوية التي استُخدمت على الأرجح لتوجيه الحيوانات البرية ومحاصرتها أثناء الصيد الجماعي.

5. المنشآت الجنائزية الحجرية

عُرفت المدافن الحجرية في مناطق عديدة من الشرق الأدنى، واتخذت أشكالًا متنوعة بحسب الفترة التاريخية والعادات المحلية. فقد تظهر بعض المدافن في صورة رجم، أو حجرة حجرية، أو قبر محفور في الصخر، أو بناء تعلوه علامة ظاهرة.

ومع ذلك لا يجوز وصف أي منشأة حجرية بأنها مدفن اعتمادًا على شكلها وحده. يحتاج التصنيف إلى دراسة معمار القبر، واتجاهه، والمواد المكتشفة داخله، وتسلسل الطبقات، ونتائج التأريخ عند توفرها.

كيف يميز الباحثون البناء البشري من التكوين الطبيعي؟

قد تبدو بعض الصخور المتناثرة وكأنها منشأة منتظمة، خصوصًا عند تصويرها من زاوية معينة. ولهذا يعتمد علماء الآثار على مجموعة من المؤشرات، وليس على انتظام الشكل وحده.

  • طريقة رصف الحجارة: البحث عن صفوف أو جدران لها عرض وارتفاع وطريقة بناء متكررة.
  • اختلاف الحجارة عن محيطها: قد تكون الأحجار نُقلت من مكان قريب أو اختيرت بأحجام معينة.
  • استمرار التخطيط: تتبع امتداد الجدار أو الدائرة لمعرفة ما إذا كان التصميم مقصودًا.
  • الآثار المصاحبة: مثل الفخار والأدوات وبقايا المباني ومواقد النار والمواد العضوية.
  • السياق الجغرافي: علاقة المنشأة بمصادر المياه والطرق القديمة والمستوطنات والمراعي.
  • المقارنة العلمية: مقارنتها بمواقع جرى تنقيبها وتأريخها بطريقة موثقة.

ومع ذلك قد يبقى تحديد وظيفة المنشأة غير محسوم حتى بعد إثبات أنها من صنع الإنسان. فالتمييز بين الطبيعي والبشري هو الخطوة الأولى فقط، ولا يعني معرفة الغرض الأصلي من البناء.

كيف يحدد علماء الآثار وظيفة المنشأة؟

يبدأ البحث عادة بالمسح الميداني وتسجيل الإحداثيات والقياسات وتصوير الموقع. وقد يُستخدم التصوير الجوي أو المسح بالطائرات المسيّرة أو صور الأقمار الصناعية لفهم الشكل العام وعلاقته بالمشهد المحيط.

وإذا تقرر إجراء تنقيب مرخص، تُزال الطبقات بصورة تدريجية مع تسجيل موضع كل حجر وقطعة. ثم تُحلل المكتشفات مثل الفخار والعظام والفحم والمعادن لتحديد تاريخ الموقع والأنشطة التي جرت فيه.

وتشمل الأدلة التي تساعد على تفسير المنشأة:

  • تسلسل الطبقات الأثرية وعدم اضطرابها.
  • نوع الفخار وطريقة صناعته وزخرفته.
  • العظام البشرية أو الحيوانية وطبيعة توزيعها.
  • بقايا الفحم أو المواد العضوية القابلة للتأريخ.
  • المداخل والممرات والحجرات وعلاقتها ببعضها.
  • وجود آثار سكن أو تخزين أو رعي أو صيد.
  • مقارنة النتائج بمواقع أخرى موثقة من الفترة نفسها.
توثيق ودراسة المنشآت الحجرية الأثرية
 يعتمد تحديد عمر المنشأة ووظيفتها على المسح الميداني والقياسات وتسلسل الطبقات وتحليل الفخار والعظام والمواد العضوية.

هل اختلاف الشكل يدل على نوع الدفين؟

لا توجد قاعدة أثرية موثوقة تقول إن الحوطة الدائرية تدل على قبر فردي، أو أن الحوطة المربعة تشير إلى دفين كبير، أو أن الدوائر المتقاطعة تعني وجود كنز ثمين. هذه تفسيرات شائعة في بعض الروايات الشعبية، لكنها لا تستند إلى منهج أثري يمكن تطبيقه على جميع المواقع.

كما لا يوجد دليل على أن مركز الشكل الهندسي هو دائمًا أهم نقطة فيه. فقد يكون مركز المنشأة خاليًا، وقد توجد العناصر الأثرية قرب الجدار أو خارجه، وقد تكون المنشأة نفسها جزءًا من موقع أكبر لا يظهر على سطح الأرض.

هل الجرون والنقوش القريبة دليل على الدفائن؟

وجود نقش أو تجويف صخري قرب منشأة حجرية لا يثبت وجود دفين. فقد تكون التجاويف طبيعية نتجت عن التجوية، أو آثار استعمال يومي، أو أجزاء من منشآت زراعية أو صناعية، أو عناصر طقسية من فترة تاريخية مختلفة.

كذلك قد تكون النقوش كتابات تذكارية، أو علامات ملكية، أو مشاهد حيوانية، أو رموزًا دينية، أو كتابات حديثة. ولا يمكن تفسيرها من صورة منفردة من دون فحص أسلوب النقش ودرجة التجوية والسياق الأثري واللغة المستخدمة.

علاقة المنشآت الحجرية بالحضارات القديمة

استخدمت المجتمعات التي عاشت في بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية الحجارة في بناء المساكن والمدافن والأسوار والحظائر والمنشآت المائية والدفاعية. لكن لا يصح نسب كل منشأة حجرية إلى الأنباط أو الرومان أو البيزنطيين اعتمادًا على شكلها الظاهري.

تعاقبت على المنطقة جماعات وحضارات كثيرة، كما استُخدمت بعض المواقع في أكثر من فترة. وقد يضيف سكان لاحقون جدارًا أو قبرًا إلى موقع أقدم، مما يجعل التأريخ بالمعاينة وحدها مضللًا.

ولهذا يحتاج إسناد المنشأة إلى حضارة محددة إلى أدلة، مثل الفخار المؤرخ، والنقوش القابلة للقراءة، والعملات، والعناصر المعمارية المميزة، أو نتائج التأريخ العلمي.

المنشآت الحجرية بين الحقيقة والموروث الشعبي

نشأت حول كثير من المواقع الحجرية قصص عن الذهب والدفائن والحراس والرموز السرية. وتعد هذه الروايات جزءًا من التراث الشعبي الذي يستحق الدراسة من منظور تاريخ الأفكار والمعتقدات، لكنها ليست بديلًا عن الأدلة الأثرية.

قد تتضمن بعض الحكايات ذكرى مشوشة لموقع قديم أو حدث تاريخي، إلا أن تكرار القصة بين الناس لا يثبت وجود كنز. ويجب التمييز بوضوح بين الرواية الشعبية والنتيجة التي توصل إليها المسح أو التنقيب العلمي.

لماذا يضر الحفر العشوائي بالموقع؟

يعتمد علم الآثار على العلاقة بين القطعة ومكانها وطبقتها وما يحيط بها. وعندما تُنزع الحجارة أو القطع من مواقعها من دون توثيق، تضيع معلومات قد لا يمكن استعادتها مرة أخرى، حتى لو بقيت القطعة نفسها سليمة.

قد يؤدي الحفر غير المرخص أيضًا إلى انهيار التربة أو الجدران القديمة، وإتلاف المدافن، وفقدان النقوش، وتعريض الأشخاص للخطر. كما يخضع التنقيب والاتجار بالآثار لقوانين حماية التراث في الأردن ومعظم دول العالم.

عند ملاحظة منشأة قديمة أو العثور على قطعة محتملة، يكون التصرف الصحيح هو عدم تحريكها، وتسجيل الموقع من مسافة آمنة، وإبلاغ دائرة الآثار أو الجهة الرسمية المختصة.

موقع أثري حجري في الصحراء تظهر فيه آثار عبث وحفر غير مرخص
يؤدي الحفر العشوائي إلى تدمير طبقات الموقع وفقدان معلومات أثرية لا يمكن استعادتها، لذلك يجب عدم تحريك الحجارة أو المكتشفات المحتملة

أسئلة شائعة

هل كل دائرة حجرية مدفن؟

لا. قد تكون الدائرة جزءًا من مدفن أو مسكن أو حظيرة أو حدًا لموقع، وقد تبقى وظيفتها مجهولة. إثبات أنها مدفن يحتاج إلى أدلة أثرية من الموقع.

هل وجود رجم حجري يعني وجود غرفة تحته؟

لا. بعض الرجوم غطت مدافن فعلًا، لكن رجومًا أخرى استُخدمت كعلامات طرق أو حدود، أو نتجت عن جمع الحجارة من الأراضي الزراعية.

هل يمكن معرفة وظيفة المنشأة من صور الأقمار الصناعية؟

تساعد الصور الجوية في كشف الشكل والامتداد وعلاقة الموقع بمحيطه، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد العمر أو الوظيفة. يجب دعمها بالمسح الميداني والأدلة الأثرية.

هل الشكل الهندسي المنتظم دليل على كنز؟

انتظام الشكل قد يشير إلى تدخل بشري، لكنه لا يدل على وجود كنز. الوظيفة لا تُحدد إلا من خلال السياق والمواد المكتشفة والدراسة العلمية.

الخاتمة

تمثل الدوائر والرجوم والمنشآت الحجرية القديمة سجلًا مهمًا لتاريخ الإنسان في بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية. فقد ارتبط بعضها بالصيد والرعي والسكن والدفن وتحديد الطرق، بينما ما تزال وظيفة منشآت أخرى موضع دراسة.

أما تعبير «الحوطات التكنيزية» فهو تسمية شعبية لا تكفي لإثبات وجود دفائن. ولا توجد خريطة ثابتة تربط الدائرة بالقبر أو المربع بالكنز أو مركز المنشأة بمكان الدفين. الطريق الصحيح لفهم هذه المواقع هو توثيقها ودراسة سياقها وحمايتها من العبث.

إن القيمة الحقيقية لهذه المنشآت ليست فيما قد يُتخيل وجوده تحتها، بل في المعلومات التي تقدمها عن حياة المجتمعات القديمة وعلاقتها بالصحراء والماء والحيوانات وطرق التنقل والموت والدفن.

المصادر والمراجع

تنويه: يقدم هذا المقال معلومات تاريخية وأثرية لأغراض تعليمية. لا يشجع الموقع على الحفر أو التنقيب غير المرخص أو العبث بالمواقع الأثرية، ويوصي بإبلاغ الجهات المختصة عن أي اكتشاف محتمل.